محمد متولي الشعراوي

2597

تفسير الشعراوى

وقوله الحق : « فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ » أي إذا انتهى الاشتباك القتالى فعلى المؤمن أن ينتقل من ذكر اللّه أثناء الاشتباك إلى الصلاة التي حان ميقاتها أثناء القتال . فقد كان ذكر اللّه وقت الاشتباك من أجل ألا يضيع وقت الصلاة بلا كرامة لهذا الوقت ، وبلا كرامة للقاء العبد مع الرب . ولماذا كل ذلك ؟ ويأتي القول الفصل : « إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً » . وقد أوضح لنا الحق صلاة الخوف ، وشرع سبحانه لنا ذكره إذا ما جاء وقت الصلاة في أثناء الاشتباك القتالى ، وإذا ما اتفق توقيته مع وقت الصلاة ، وشرحت لنا سنة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كيفية قصر الصلاة في أثناء السفر ، لماذا كل ذلك ؟ لأن الصلاة فرض لا غنى عنه على الإطلاق « إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً » . أي أن الصلاة لها وقت . ولا يصح أن يفهم أحد هذا المعنى - كما يفهمه البعض - بأن صلاة الظهر - على سبيل المثال - وقتها ممتد من الظهر إلى العصر ، وصحيح أن الإنسان إذا عاش حتى يصلى الظهر قبيل العصر فإنها تسقط عنه ، ولكن ماذا يحدث لو مات العبد وقد فات عليه وقت يسعها ؟ إذن فقد أثم العبد ، ومن يضمن حياته حتى يؤدى الصلاة مؤجلة عن موعد أدائها ؟ . وقد يقول قائل : أحيانا أسمع أذان الصلاة وأكون في عمل لا أستطيع أن أتركه ؛ فقد أكون في إجراء جراحة . أو راكبا طائرة . ونقول : أسألك باللّه إذا كنت في هذا العمل الذي تتخيل أنك غير قادر على تركه وأردت أن تقضى حاجة ، فماذا تصنع ؟ إنك تذهب لقضاء حاجتك ، فلما ذا استقطعت جزءا من وقتك من أجل أن تقضى حاجتك ؟ وقد تجد قوما كافرين يسهلون لك سؤالك عن دورة المياه لتقضى حاجتك . وساعة يراك هؤلاء وأنت تصلى فأنت ترى على وجوههم سمة الاستبشار ؛ لأن فيهم العبودية الفطرية للّه ، وتجد منهم من يسهل ذلك ويحضر لك ملاءة لتصلى فوقها ، ويقف في ارتعاش سببه العبودية الفطرية للّه ، فلا تقل أبدا : إن الوقت لا يتسع للصلاة ؛ لأن اللّه لا يكلف أبدا عبده شيئا ليس في سعته ، والحق كلف العبد بالصلاة ومعها الوقت الذي يسعها .